مأساة الزهراء عليها السلام
شبهات .. وردود .. الجزء الأول
سماحة العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي
انتظر قليلاً .. حتى يُفتح الكتاب بأكمله وحسب سرعة جهازك
|
|
يمكن تزيل الجزء الأول بالضغط على الجزء الأيمن من الفارة ثم الخزن |
1 |
|
|
يمكن تزيل الجزء الثاني بالضغط على الجزء الأيمن من الفارة ثم الخزن |
2 |
اضغط على الموضوع المطلوب لكي تنتقل إليه
فهرس الجزء الأول
لماذا ؟ ! كتاب مأساة الزهراء (ع)
اختيار مأساة الزهراء (ع) لماذا ! ؟
ردود الفعل على الكتاب في اتجاهين :
مراجع الأمة وأعلام المذهب يتصدون :
من هو المظلوم ؟ وهل هذا تشهير ؟
قضية النقل عن السيد شرف الدين :
كل الفكر الإسلامي ( فكر بشري ) ما عدا البديهيات :
لعل مراد القائل غير ما فهم منه :
أسلوب خبيث.. ولا مانع من استخدامه ! !
الخروج عن دائرة المذهب الفقهي :
حول النشاط الاجتماعي للزهراء :
متى ولدت الزهراء عليها السلام ؟
مريم أفضل أم فاطمة عليهما السلام ؟
العصمة جبرية في اجتناب المعاصي ؟ ! !
هل للمحيط والبيئة تأثير في العصمة :
إمكانية التمرد على البيئة والمحيط :
ألف: زوجتا النبي نوح والنبي لوط (ع) :
ج : مريم (ع) في مواجهة التحدي :
الجوانب الغيبية في حياة الزهراء (ع) :
تنزه الزهراء (ع) عن الطمث والنفاس :
هل الزهراء (ع) أول مؤلفة في الإسلام ؟
هل في مصحف فاطمة (ع) أحكام الشرعية ؟
لا تعارض في أحاديث مصحف فاطمة (ع) :
إرهاصات ومحاولات التفاف وطعن في كتاب سليم
فلنسقط نحن قضايانا، قبل أن يسقطها الآخرون ؟ !
إنكار ضرب الزهراء (ع) تبرئة للظالمين :
أنا لا أهتم لضرب الزهراء (ع) وهو لا يرتبط بالعقيدة :
العمدة هو كتاب سليم وهو غير معتمد :
مراد الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد :
المفيد لم يذكر ما ذكره الطوسي :
1 ـ كاشف الغطاء لا ينكر ما جرى :
3 ـ قبول الناس بضرب الزهراء (ع) :
4 ـ احتجاج الزهراء (ع) بما جرى !
7 ـ مبررات الاحتجاج غير متوفرة :
8 ـ لم تذكر الزهراء (ع) أبا بكر بما جرى :
خصومتهم لعلي(ع) واحترام الزهراء (ع) :
مكانة الزهراء (ع) عند الأنصار ، وعند مهاجميها :
من الذي قال لعمر : إن فيها فاطمة ؟
أخبار عن احترام الصحابة للزهراء (ع) :
علي (ع) متمرد لا بد من إخضاعه :
طلب المسامحة يدل على مكانة الزهراء (ع) :
هل رضيت الزهراء على الشيخين ؟ !
هل عرف قبر الزهراء عليها السلام :
ملاقاة الزهراء للرجال والحجاب :
لماذا لا يفتح الباب الزبير ، أو فضة ؟
أيخافون من فتح الباب وهم مسلحون ؟ !
ألا يدافع علي (ع) عن وديعة الرسول (ص) ؟ :
هل ضرب الزهراء (ع) مسألة شخصية ؟ !
على الحاضرين أن ينجدوا الزهراء :
لم يدخلوا البيت، فكيف ضربوا الزهراء ؟
2 ـ أنا لا أقول ، بل علي (ع) !
3 ـ سماع رواية " ضرب فاطمة " أسقطه !
رواية ( قنفذ ) تعارض إجماع ( الشيخ ) :
لا داعي لمهاجمة الزهراء (ع) وعلي (ع) موجود :
سقوط المحسن لحالة طبيعية طارئة !
هل كان بكاء الزهراء (ع) جزعا ؟ !
" بيت الأحزان " وإزعاج الناس بالبكاء :
بيت الأحزان أضرهم ولم ينفعهم :
النهي عن النوح بالباطل لا عن البكاء :
التوراة، والمنع من البكاء على الميت :
السياسة وما أدراك ما السياسة ؟ :
كتاب مؤتمر علماء بغداد في الميزان :
موارد تعوزها الدقة التاريخية :
8 ـ لا تجتمع أمتي على خطأ ، وقتل عثمان :
10 ـ المتعة لأجل الحصول على المال :
/ صفحة 7 /
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله الطاهرين.
أود قبل أن ابدأ حديثي الواضح والصريح: أن ألفت نظر كل الأخوة القراء إلى ما يلي:
إنني آمل أن يقرأوا ما أقدمه لهم قراءة متأنية وناقدة، من دون أن تكون ثمة خليفة تحملهم على أن يحكموا ـ سلفا ـ على هذا الكتاب حكما سلبيا، ربما يكون فيه الكثير من الشطط والتجني.
/ صفحة 8 /
كما وأطلب منهم أن لا يتهيبوا صاحب أية فكرة تطرح عليهم إلى درجة تحجبهم عن محاكمة الفكرة نفسها. وأن يكونوا منصفين وواعين.
فليس ثمة ما يفرض عليهم، أن يأخذوا جميع ما يقرؤونه أخذ المسلمات، وإن كان الكاتب يحب ذلك..
كما لا ينبغي لهم أن يرفضوا كل ما يقرؤونه أو يسمعونه من منطلق العصبية لهذا أو الحد ضدة ذلك، بل المطلوب: أنه إذا كان ثمة صواب أو خطأ فليأخذوا هذا الصواب، وليدعوا الخطأ، عملا بقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}(1).
فلا يصح أن تكون الفكرة الصحيحة في كتاب ما سببا في قبول الفكرة الخاطئة فيه ـ إن كان ثمة خطأ ـ كما لا يصح أن تكون الفكرة الخاطئة سببا في رد الفكرة الصحيحة فيه.
والطلب الأهم والأكثر حساسية هو أن يطالبونا ـ ويطالبوا غيرنا أيضا ـ بما يقنعهم، ويرضي وجدانهم، وتستجيب له ضمائرهم، لينالوا بذلك رضا الله سبحانه ورضا وشفاعة أنبيائه وأوصيائهم(ع)، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، فإن الحق أحق أن يتبع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
ــــــــــــــــــــ
(1) سورة الزمر: آية 18. (*)
/ صفحة 9 /
لقد صدر كتابنا "مأساة الزهراء(ع).. شبهات وردود" قبل حوالي أربعة أشهر، فافتعلت حوله ضجة كان واضحا أنها ترمي إلى تحقيق أكثر من هدف، ولسنا في وارد الحديث عن ذلك هنا.
غير أننا لمسنا من خلال ذلك ضرورة توضيح دواعي إصدار هذا الكتاب، وسبب اختيارنا لخصوص هذه القضية، "قضية الزهراء(ع)" دون سواها، مع توخي الاختصار، والاقتصار على ما هو ضروري، دون الدخول ـ لغير ضرورة ـ في التفاصيل، ودون التعرض لكثير من القضايا التي قد تحرج البعض أو تخرجهم عن حالة الإتزان، وهو ما حصل بالفعل حين شعروا أن كتابنا الآنف الذكر يكاد يقترب إلى شئ من تلك القضايا، فكيف لو أردنا أن نتجاوز ذلك للتصريح، ثم التوضيح.
ولأجل ذلك فنحن نقتصر هنا على الإلماح إلى بعض القضايا، وعرضها الساذج، دون أن نحاول توضيحها، إلا فيما تفرضه الضرورة، ونترك الخيار بعد هذا للقارئ الكريم، فنقول:
/ صفحة 10 /
والهدف من اختيار مأساة الزهراء (ع) لتكون الموضوع الذي نعالجه في سلسلة الموضوعات الكثيرة التي تصدينا لإحقاق الحق فيها مما يمس قضايا الدين والمذهب أمران، وهما:
الأول:
هو أن هذه المفردة "مأساة الزهراء(ع)" قد أصبحت بحاجة إلى توضيح وبيان من أجل إزالة ما ربما يكون قد علق في أذهان بعض الناس نتيجة للتشكيكات!! أو التساؤلات المنهجية!!
أو العلمية!! ـ على حد تعبير البعض ـ التي طرحت عليهم كرات ومرات، في عشرات المواقف الإذاعية، والمكتوبة، والعديد من المقابلات والمراسلات والمراجعات في ردح من الزمن طويل.
وقد طرحت أدلة كثيرة ومتنوعة في أكثر من اتجاه تهدف إلى نفي حصول أي عنف ضد الزهراء(ع) في بيتها، أو حتى ضد علي(ع) في بيت الزهراء(ع). وقد أعطيت تلك الشواهد والأدلة عناوين فكرية حضارية!! مثل "إثارات" أو "علامات استفهام" أو "شكوك في طريق البحث".. إلى آخر ما هنالك من تعابير أصبحت معروفة ومألوفة.
/ صفحة 11 /
فلذلك أردنا أن نقوم بدراسة الموضوع، من خلال معالجة تلك " الإثارات " بصورة تفصيلية، لنتمكن من استيعاب كل ما طرح من أمور تثير هذه الشكوك، ولنتمكن من ثم من تبديد "علامات الاستفهام" التي رسمت، علنا نستحق "الشكر"!! الذي وعد به هذا البعض عندما قال: "ونحن نشكر من يجيب على علامات الاستفهام التي رسمناها".(1) على أمل أن ينتهي الموضوع عند هذا الحد، وينحل بذلك الإشكال.
وكان الشكر الذي وعد به هذا البعض مميزا في نوعه وفريدا في بابه!! كما سنلمح إليه إن شاء الله تعالى.
الثاني:
إن قضية الزهراء(ع) ـ وبسبب ظروف معينة ـ قد تجاوزت طابعها العلمي الخاص، لتصبح عنوانا يشير إلى منهج عام يتعدى مجال التاريخ، إلى نواح أخرى في مجال الإهتمامات الإسلامية، كشؤون العقيدة، وعلم الكلام، وعلم الأصول، والحديث والفقه والتفسير، وحتى اللغة، بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى إيمانية وغيرها.
نعم: لقد أصبحت قضية الزهراء(ع) هي ذلك (الرمز)، أو قل: العنوان المشير الذي يختزل منهجا له مفرداته، وله طابعه الخاص، وله آفاقه وملامحه، وسوانحه وبوارحه.
ــــــــــــــــــــ
(1) جريدة فكر وثقافة: العدد 18 بتاريخ 19 ـ 10 ـ 1996 م. (*)
/ صفحة 12 /
لذلك أردنا أن تكون معالجتنا لهذا الموضوع مشاركة في إنجاز الواجب الذي يشعر به كل مسلم مؤمن، لا يجد مبررا لأن يقف موقف اللامبالاة، حيال محاولات التعرض لهذا الدين في عقائده وأحكامه، وفي رسومه وأعلامه، لا على قاعدة "التمسك بالموروث المقدس"، باعتباره دين الآباء والأجداد، كما يحاول البعض أن يتهمنا، ويتهم كل أتباع مذهب أهل البيت وعلماء الشيعة الأبرار..(1) بل على قاعدة التمسك بما دل عليه الدليل العلمي القاطع للعذر، والمثبت للحقيقة..
وحين تنطلق تلك المقولات، لتثير الشبهات في قضايا الدين، وتزعزع ثباتها، فسيكون لكل أحد الحق والحرية في الرد العلمي المناسب عليها، أيا كان مصدرها، دون مجاراة أو ممالأة.
وتلك هي مسؤولية كل من يمتلك من أسباب العلم والمعرفة ما يخوله القيام بذلك. وهذا ما شهدناه فعلا حيث بادر مراجع الدين وكثيرون ما علماء الأمة إلى تسجيل استنكارهم لمقولات هذا البعض، وأعلنوا رفضهم لهما، ولا نتوقع إلا استمرارهم في العمل بواجبهم الشرعي في هذا المجال ونحن معهم على الطريق.
ــــــــــــــــــــ
(1) بينات بتاريخ 25 ـ 10 ـ 1996 م. (*)
/ صفحة 13 /
وكنا نقدر: أن ذلك قد يغنينا عن التوسع في طرح سائر القضايا، التي قد تم ويتم التعرض لها من جانب هذا البعض عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهي قضايا تمتاز بكثير من الأهمية والحساسية، خصوصا ما يرتبط منها بقضايا العقيدة والإيمان فضلا عن غيرها من مسلمات الشريعة.
غير أن الوقائع أظهرت أن الأمور قد سارت على خلاف ما كنا نتوخاه.
فإن البعض قد صور للناس: "أن القضية الأساس التي تهمنا، ـ بل لا قضية تهمنا على الإطلاق ـ سوى قضية الزهراء(ع) وأنه ليس ثمة ما يثير اهتمامنا سوى حديث البعض: عن قضية كسر الضلع، وإثارته بطريقة سلبية".
وذلك في محاولة منهم للتمويه على الناس، وإبعادهم عن حقائق الأمور.
وقد ساعدهم على ذلك أننا التزمنا من طرفنا ـ عمليا ـ بعدم الابتداء بإثارة تلك القضايا، فأغراهم ذلك منا، وكانت هجماتهم الشرسة التي زادتنا ـ يوما بعد يوم ـ معرفة بحقيقة نواياهم، وبمدى إصرارهم على ما يقومون به.
/ صفحة 14 /
مما جعلنا أمام خيار وحيد، وهو مصارحة الناس بالحقيقة، وتعريفهم أن قضية الزهراء(ع)، إنما كانت مفردة واحدة إلى جانبها عشرات أمثالها، مما قد يكون أهم وأولى بالتصدي للبحث والتصويب.
ولعل من حق القارئ علينا أن لا نطيل انتظاره حين يصبح من الضروري تقديم مجموعة (عينة) من تلك الأقاويل، لتكون دليل وفاء بالوعد، وإشارة إلى أننا باقون مع هذا الإسلام العزيز على العهد. فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله.
أما فيما يرتبط بالاستقصاء لكل ما صدر عن البعض من أقاويل مكتوبة أو مسجلة. فذلك خارج فعلا عن حدود الوسع والطاقة لأنه يحتاج إلى عمر لنا جديد ومديد. على أننا لا نرى ضرورة لذلك، فإن القليل قد يعطي صورة أو يغني عن الكثير الذي جاء تعبيرا صريحا عن المشروع الكبير الذي يعمل له هذا البعض، والرامي إلى استبدال القديم الأصيل والثابت بالبرهان القاطع من تراثنا وعقائدنا المتوارثة (على حد تعبيره)، بما يعتبره جديدا وفريدا.. ودون أن ينتصر لهذا الجديد بدليل علمي يثبت أمام النقد.
ولذلك تراه يطعم أدلته أو يطورها، باتجاه ما يدعيه حسب الظروف، في إصرار ظاهر منه على مدعاه، الذي لم يزل عاجزا عن الاستدلال العلمي الصحيح عليه، الأمر الذي يوحي بأنها أفكار جاهزة يبحث لها عن دليل يستنسبه لها، ربما لأنه
/ صفحة 15 /
يعتبرها جزءا من مشروعه التجديدي الذي انبهر به كثيرون، والذي يرمي إلى تصحيح الأخطاء التي يجدها ـ كما يقول ـ في عقائدنا المتوارثة، على قاعدة صدم الواقع ـ على حد تعبيره أيضا. في مناسبات كثيرة.(1).
والغريب في الأمر أن ذلك الذي يريد التجديد وصدم الواقع بمجرد أن أحسن ببعض الجدية في الموقف تجاه تلك الأقاويل بدأ يتهم الآخرين بالحسد، والتجني، وبالعقد النفسية، والتخلف، وبالعمالة للمخابرات، أو بالوقوع تحت تأثيرها، وأن المقصود إسقاطه، أو تحطيم مرجعيته، وأن من يعترض على أقاويله هو "بلا دين" الخ.. تعابيره المختلفة والتي تصب في هذا الاتجاه.
بل لقد بدأ ينكر بعض أقاويله تلك ويتطلب لبعضها الآخر التفسيرات والتأويلات والمخارج، كما أنه لم يزل يطلق الدعاوى بعدم فهم الآخرين لمقاصده، بل حتى وصل به الأمر إلى حد أن أعلن ـ أكثر من مرة ـ أن تسعين بالمئة مما ينقل عنه مكذوب عليه، وعشرة بالمئة مغلوط،... أو أن 99، 99 % بالمئة كذب وافتراء.
فأين التجديد إذن؟ وأين التصحيح؟ وبماذا يريد أن يصدم الواقع يا ترى؟!! إذا كان قد تنكر لأقواله الجديدة؟
وبماذا يريد أن يقتحم المسلمات على حد تعبيره مؤخر؟!
ــــــــــــــــــــ
(1) دنيا المرأة: ص 25، ومجلة المرشد ص 282. (*)
/ صفحة 16 /
وأية مسلمات هي التي يريد اقتحامها يا ترى؟!.
على أننا ما زلنا نأمل أن لا نضطر لنشر دراسات موسعة حول موضوعات كثيرة، حساسة وهامة جدا، تختزنها مؤلفات ومنشورات البعض، إذا كان ثمة إمكانية لتلافي ذلك بصورة أو بأخرى.
وأما عن ردود الفعل على الكتاب من قبل من يعنيهم أمره، فقد اختلفت وتنوعت في مظاهرها، ولكنها في جوهرها كانت تصب في اتجاهين:
الأول:
إتجاه لم يزل يعتبر كتاب "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود" إنجازا هاما في مجال التحقيق العلمي والموضوعي، حيث تكفل بتقديم إجابات منطقية، صحيحة وقاطعة للعذر، تسد الطريق على الشبهات المطروحة، وعلى رأس هؤلاء المراجع العظام في النجف الأشرف، وفي قم المشرفة في ايران الإسلام أعزها الله.
وقد وصلتنا رسائل خطية، وتصريحات شفهية بهذا المعنى من عدد منهم أدام الله وجودهم حماة وذادة عن هذا الدين.
/ صفحة 17 /
هذا بالإضافة إلى رسائل وتصريحات أخرى في نفس الإتجاه أيضا من علماء أفذاذ، أثروا العالم الإسلامي بمؤلفاتهم القيمة، ولهم شهرتهم العلمية الكبيرة.
ولا نبالغ إذا قلنا: إننا لا نعرف أحدا من العلماء الأبرار الكبار، ممن يحمل اسم عالم بحق وصدق، قد اطلع على الكتاب أو ذكر في محضره إلا وأثنى عليه ثناء عاطرا وجميلا!.
كما لا يخفى على كثيرين الصدى الطيب الذي تركه هذا الكتاب في أوساط الشباب المؤمن والمثقف، حيث فوجئ الكثيرون منهم، حين لمسوا كيف يتم تمرير هذه الطروحات من خلال المنابر والكتب وغيرها، وطرحها مع غيرها من المقولات بهذه الغزارة، وبهذا الإصرار، حتى أنك لتجد الفكرة الواحدة في عشرة كتب، وربما أكثر، أو أقل. وكان الذي فاجأهم أكثر هو أن تثار هذه القضايا من ـ قبل ذلك البعض ـ في ظل هذه الظروف الصعبة والقاسية في تاريخ صراع أمتنا ضد العدو الاسرائيلي، وكل قوى الاستكبار العالمي.
الثاني:
ردة فعل الجهة المعنية التي ترى نفسها متضررة من هذا الكتاب، والتي كانت السبب في الكتاب من الأساس، من حيث أن أحد رموزها هو الذي أثار الشبهات التي تنوعت في مظاهرها وأشكالها فانبروا للدفاع عنه (على قاعدة وجوب شكر المنعم).
/ صفحة 18 /
وهذه الردود كانت كلها تصب في إتجاه واحد، وهو الإدانة والرفض والمواجهة الكاسرة إلى درجة أصبحنا لا ندري إن كان ثمة حدود شرعية أو أخلاقية يجدر بهم التقيد بها، والانتهاء إليها، ولو ظاهريا؟ أم أن المحرمات قد سقطت، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا راجحا بل بل واجبا، إذا كان يسهم في حفظ الكيان، أو الشخص، أو الجهة؟! وذلك على القاعدة التي هي على خلاف قواعدنا الإسلامية، والتي أطلقها ميكا فيللي من قبل: "إن الغاية تبرر الواسطة" أو الوسيلة، هذه القاعدة التي طورها البعض إلى درجة أنها أصبحت ليس فقط تبرر، وإنما تنظف الواسطة ربما على "طريقة التصويب" الباطل عند الشيعة الإمامية، زادهم الله عزا وسؤددا وشرفا.
ونستطيع أن نذكر نماذج من مظاهر ردود الفعل التي ظهرت لدى تلك الجهة المعنية بالكتاب، وهي ما يلي:
1 ـ قد صدرت عن البعض ردود فعل انفعالية على المنابر، وعبر الإذاعات، وفي المجالس الخاصة والعامة، تحاول النيل من قيمة الكتاب ومن الكاتب، وتعتبره قد ألف بطريقة غير شرعية!؟
/ صفحة 19 /
2 ـ تحريم الكتاب بيعا، وتداولا، وقراءة!! وممارسة ضغوط على الناس، هذا مضافا إلى مراجعة بعض دور النشر والمكتبات، لمنع تداول الكتاب.
مع أن نفس ذلك البعض قد أعلن عبر أثير الإذاعة رفضه لمقاطعة كتب الضلال، واعتبر ذلك خطأ لا بد من تجنبه.
3 ـ إشاعات كاذبة، كثيرة ومتنوعة أطلقوها ويطلقونها في أكثر من إتجاه، دونما وازع من دين، أو رادع من وجدان، وقد جاء قسم منها:
ألف: بصيغة إفتراءات تهدف إلى النيل من كرامة المؤلف، والتشكيك بأدبه وأخلاقه، ودينه واستقامته.
ب: وقسم آخر جاء على شكل سباب وشتائم، وإهانات، تصب في اتجاه النيل من المقام العلمي للكاتب، وموقعه، وتصويره على أنه جاهل، متخلف، ومتسلط في الرأي، غير قادر على الإدراك الصحيح لكلام البعض، إلى غير ذلك.
ج: محاولات التشكيك بقيمة الكتاب العلمية، أو بمنهجيته، أو خلفيته، بل بمصداقيته أحيانا.
د: الحديث عن خلفيات موهومة دفعت المؤلف إلى إصدار هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات.
4 ـ تهديدات مبطنة، وإتهامات قاتلة، وممارسة أساليب إرهاب، وتسلط، وهيمنة، واستعانة بقوي أمنية للحد من تأثير
/ صفحة 20 /
الكتاب، والحد من نشاط من يقرؤه، ومن يتداوله، ومن يتعاطف معه أو يعلن عن رأيه في تلك المقولات التي ناقشها.
5 ـ محاولة الضغط باتجاه اعطاء الكتاب طابعا سياسيا، وجعله في دائرة التوازنات، وإخضاعه من ثم لأجواء الأخذ والرد في سوق المنافع والمزايدات، وحتى المصالحات السياسية حين تلجؤهم الضرورات إلى ذلك.
6 ـ التشكيك بأهداف الكاتب ودوافعه، واعتبار الكتاب تارة مجرد مظهر لمطامح شخصية، وأخرى استجابة لأحقاد، وتارة ثالثة نتيجة عقد نفسية أسقطها البعض على المؤلف.
وعلى جميع الحالات فإن النتيجة ـ بنظرهم ـ هي أن هدف كتاب "مأساة الزهراء(ع)" هو الاغتيال السياسي، والعلمي، والاجتماعي لما يسمونه بـ "الرمز" أو بـ "القيمين على الحالة الإسلامية".
وتلك جريمة مرعبة تنتهي حسب تصويراتهم باغتيال الإسلام نفسه باسم الإسلام، فوا إسلاماه!! و وآ مصيبتاه!!!.
لا سيما وهم يصورون الأمر للناس على أنه خطة تنتج فصولها، وتدير حركة الصراع فيها، أو تحرك خيوطها بذكاء، دوائر المخابرات الدولية، أو الإقليمية حتى الموساد، أو المحلية، بل والإسلامية، وما إلى ذلك.
7 ـ محاولتهم حصر الموضوع في قضية تاريخية، وتاريخية فقط. لصرف الأنظار عن المقولات الكثيرة التي ترتبط
/ صفحة 21 /
بالنواحي العقيدية والإيمانية، وقضايا الدين التي تعرضنا لها في نفس الكتاب.
8 ـ محاولتهم إثارة علامات استفهام حول جدوى موضوعات كهذه ـ رغم أنهم هم الذين ما فتئوا يصرون على طرحها ـ وذلك بعد أن صوروا للناس أن الأمر لا يتعدى الناحية التاريخية الخاصة جدا، وهي خصوص قضية كسر ضلع الزهراء(ع) دون سائر ظلاماتها عليها السلام.
9 ـ محاولة ربط الموضوع برمته ـ من أجل الدعاية والإعلام طبعا! ـ بجهات تخطط لإسقاط مرجعية فلان من الناس، لأنها ترى نفسها متضررة من ظهور مرجعية عربية، وفية لعروبتها، مقابل المرجعيات الفارسية ولعلها بنظرهم وفية لفارسيتها أيضا..؟(1) أو ما إلى ذلك، متهمين مرجعية دينية كبرى لبعض الدول الإسلامية بأنها الجهة التي تدير حركة الصراع ضدهم، وتصويرها على أنها مجرد منافسة لهم في المرجعية.
ــــــــــــــــــــ
(1) ومن شواهد ذلك: أنه في المقابلة التلفزيونية في هذا الصيف التي شاركه فيها سركيس نعوم قد بدا راضيا عن أقوال نعوم الذي ركز على موضوع المرجعية الفارسية والعربية ولذلك لم يعترض عليه ولا سجل أي تحفظ على أقواله. (*)
/ صفحة 22 /
وعدا عن هذا، وذاك، وذلك، فقد ظهرت ردود مكتوبة من جهة ذلك البعض الذي أثار كل هذه الأجواء، ولم يزل يبذل جهودا حثيثة لتركيز مقولاته ـ على اختلافها وتنوعها ـ في عقول ونفوس الناس، عبر وسائل الإعلام المتنوعة، ومن خلال الإمكانات الكبيرة المتوفرة لديه، حتى إنه يصدر في فترات متقاربة جدا، وبصورة متلاحقة كتابا أو أكثر يضمنه نفس الأفكار، بل نفس الخطابات والمقابلات أحيانا، ولكن كل كتاب يأتي بشكل، وبحجم وباسم، وتنسيق يختلف عن سوابقه.
ولكنك إذا فتحت أي كتاب منها فستقرأ تلك الأفكار المعهودة التي يراد تركيزها بهذه الطريقة في أذهان الناس..
وما ظهر من جهته من ردود على كتابنا "مأساة الزهراء (ع)" لكتاب، أو مستكتبين، أو في مقابلات إذاعية مع الابن والأخ، وسواهما فإنما كانت تحاول رد الاعتبار، أو إثارة الشبهات والتشكيك بالكتاب وبالكاتب.
هذا وقد روجت أجهزة إعلامهم لهذه الردود بقوة، حتى إن مقابلة إذاعية أجرتها إذاعة محلية يملكها ذلك البعض مع أحد أولئك المستكتبين قد بثتها تلك الإذاعة أربع مرات خلال أقل من
/ صفحة 23 /
أسبوع واحد، وقد ترافق ذلك مع ألقاب ونعوت فضفاضة منحت لذلك الكاتب، لم يكن ليحلم بها لو لا أنه أول من رمى بسهم.
ثم وزعوا تلك المقابلة بالذات على الناشئة بعد أن قامت تلك الإذاعة في إعلانات متتابعة خلال أيام بدعوة الناشئة إلى الحصول على الشريط المسجل لتلك المقابلة، في محاولة منهم لبث روح العداء والشحناء والبغضاء في تلك النفوس البريئة.
وذلك يكفي للتدليل على فشلهم الذريع في المواجهة العلمية والمنطقية، وعلى مدى الإسفاف في التعامل مع من ينتقد فكرة من يسمونه ب "الرمز" على حد تعبيرهم.
ولا نريد أن نتوقف كثيرا عند توزيع إداراتهم ومؤسساتهم لآلاف النسخ بالمجان على مختلف العباد في مختلف البلاد، فصرف تلك المبالغ الكبيرة ربما كانت له مبرراته!! التي لعلهم يعذرون لأجلها، حسب موازينهم!! التي أشرنا إلى بعضها، والتي ينطلقون منها في هذه الأمور!!
ولا نبالغ إذا قلنا: إننا حين اطلعنا على مضامين تلك الردود قد أصبنا بالدهشة، حين لم نجد فيها ما ينبغي أن يلتفت إليه من حيث القيمة العلمية.
/ صفحة 24 /
وكانت دهشتنا أعظم، ونحن نرى مدى الاهتمام بنشرها وتوزيعها على أنها جهد علمي يكفي لتبرير مقولات البعض، وإسقاط اعتراضات الآخرين. ولا ندري كيف استساغوا بذل هذا الوقت والجهد و... المال!؟ لنشرها، أو الترويج لها عبر وسائل إعلامهم المختلفة.
ولأجل ذلك وغيره ـ فإننا من ناحيتنا ـ آثرنا إهمالها، ولم نر ضرورة لصرف الوقت والجهد، لبيان وهنها وسقوطها، وقصورها.
فإن ما حوته هذه الردود من أضاليل، وتلفيقات، وافتراءات، وسوء أدب، وجهل ذريع، ثم ما انفردت به من مجموعة انتقائية من التعابير الجارحة، إن ذلك كله لا يكاد يخفى على منصف ذي قلب قد ألقى السمع وهو شهيد.
وبإهمالنا لها نكون قد فوتنا الفرصة على ذلك البعض الذي كان يراهن على إشغالنا بأمور جانبية ـ وصرف وقتنا في "قلت، وقلنا، وأقصد، ولم يفهموا قصدي" ليبقى ذلك البعض معتصما في برجه العاجي مصورا للناس: أنه مترفع عن هذه الأمور، وأن مشكلتنا ليست معه فقط، وإنما مع كثيرين من الناس، الذين بادروا للانتصار لتلك المقولات مع أنه هو الذي لم يزل يذكي نارها ويؤجج أوارها، في الخفاء تارة، وفي العلن أخرى، تصريحا مرة وتلويحا أخرى، وهو الذي يبذل الأموال الخطيرة
/ صفحة 25 /
في طباعتها، وتوزيعها ـ وربما ـ المكافأة عليها، بعد اطلاعه عليها، وتصويبه لما فيها!!
ومن جهتنا فإن ذلك كله ليس فقط لم يستطع ـ ولن يستطيع ـ أن يحقق لهم أهدافهم، بل هو قد زادنا يقينا بأمور ثلاثة:
الأول:
إن كتابنا: "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود" هو رد حاسم وقوي على ما طرحه البعض ولا يزال يطرحه... وأنه لا يملك أي رد علمي وموضوعي عليه، ولأجل ذلك، فإننا لم نجد ضرورة لإعادة النظر في أي من مطالب الكتاب.
الثاني:
إننا أصبحنا أكثر اقتناعا بلزوم التصدي لما يطرحه البعض من أمور، حيث تأكد لدينا: أن ثمة إصرارا أكيدا على نشر تلك الأقاويل وترسيخها في العقول والنفوس، الأمر الذي يشكل خطرا أكيدا على كثير من قضايا الدين والعقيدة والإيمان.
الثالث:
إننا قد تأكد لدينا: أنه قد كان من المفروض: أن تطرح أما أعين الناس كل أو جل تلك المقولات لا أن نكتفي بإثارات يسيرة توخينا من خلالها أن يعرف الطرف الآخر: أننا لن نسكت ولن نجامل أحدا حين نجد أنفسنا أمام التكليف الشرعي بالتصدي لأي إخلال بقضايا الإسلام والإيمان.
/ صفحة 26 /
هذا وإن مراجع الدين وعلماء الأمة الأبرار، لم يسكتوا عن هذا الأمر، وإن اختلفت حالات التصدي، وجهاته وكيفياته، وقد صدرت فتاوى عن عدد من مراجع التقليد، رفضت بعض تلك المقولات حتى اضطر صاحبها إلى بذل محاولاة ـ لم تكن ناجحة ـ للتنصل منها تارة وللإجابة والرد عليها تارة أخرى، هذا عدا عن إلماح بعض المراجع في النجف الأشرف إلى ثبات عقائد المذهب أما محاولات التشكيك، التي تتعرض لها(1).
يضاف إلى ذلك، مؤلفات صدرت، وكتابات نشرت تنتقد وتفند، وخطب ومحاضرات ترفض وتندد.. لم تزل تتوالى من قبل كثير من أهل العلم والفكر، من حماة المذهب ورموزه وأعلامه.
وقد لقي كتابنا "مأساة الزهراء(ع): شبهات وردود" ـ كما أسلفنا ـ ترحيبا واسعا، وكانت له الحظوة لدى المراجع العظام، ولم تزل تصلنا منهم ـ كتابة ومشافهة ـ رسائل الثناء والتأييد، والدعاء لنا بالتوفيق والتسديد.
ــــــــــــــــــــ
(1) وذلك في بيان صدر عن مكتبة في (قم) لتكذيب ما أعلن في صلاة الجمعة ونشر في بيان، وأذيع عبر إذاعة تابعة للبعض حول تزوير ختمه وإبطال العمل به. (*)
/ صفحة 27 /
هذا عدا ما وصلنا من رسائل من شخصيات علمية كبيرة تعبر عن اغتباطها بهذا الكتاب، وعن سرورها وإعجابها به ربما نوفق لنشرها في المستقبل.
وحتى لو كنا في محيط لم يجد فيه الآخرون فرصة للتحرك وللتصدي، فإن ذلك يضاعف إحساسنا بالمسؤولية، ويحتم علينا أن نقف ولو بمفردنا للذب عن حقائق المذهب، وقضايا الإيمان والإسلام، ونجد أنفسنا مطالبين أكثر من أي وقت آخر بإنجاز هذا الواجب الشرعي العيني الجازم في نصرة ديننا الحنيف.
وبعد.. فإن كتاب مأساة الزهراء قد جاء بعد أن انتظرنا عدة أشهر، دعونا فيها ذلك البعض للحوار المكتوب، وفي أكثر من رسالة ومع أكثر من رسول، لكنه لم يزل يرفض ويأبى، ونحن لم تزل يدنا ممدودة تطلب ذلك وتصر عليه كحوار علمي وموضوعي، لأنه الوسيلة الأمثل لإحقاق الحق، وتجنيب الساحة المزيد من الإرباك بالطروحات المثيرة للقلق على مفاهيم الناس، وقضاياهم الإيمانية، شرط أن يكون حوارا جديا وموضوعيا، يلتزم الطرفان بشروطه وبنتائجه وآثاره، حين يدار بطريقة واعية تلزم الطرفين ببيان مقاصدهما بدقة، وعدم التنكر لمعاني كلامهما، وفقا لما يفهمه الناس ويتداولونه، ويحتج به بعضهم على بعض.
/ صفحة 28 /
وبعد.. فقد أبلغنا ببعض الاعتراضات ووجهات النظر المختلقة حول كتابنا "مأساة الزهراء" وقد رأينا أن نشير إليها أيضا في هذا التقديم، مع إلماحة سريعة إلى موقفنا منها.
قد يتساءل البعض: لماذا لا نسكت كما يسكت الآخرون، فإن ذلك يوفر علينا الكثير من المتاعب والمصاعب، لا سيما وأن ثمة قدرات مادية! وإعلامية! وأمنية!! ورصيدا شعبيا لدى البعض، يمكنه من إلحاق الأذى بجميع أنواعه بمن يقف في وجهه... ويستشهدون لذلك بما جرى على العلامة السيد ياسين الموسوي حفظه الله وغيره من الناس.
ونقول:
1 ـ إذا كان ثمة تكليف شرعي يوجب التصدي فلا بد من رد السؤال إليهم لنقول لهم: لماذا يسكت الآخرون؟ ولماذا لا يتكلمون كما نتكلم ولا يتصدون كما نتصدى؟! لا سيما وأن الأمور التي هي محل النقاش ليست إلا مفردات دينية محضة، لا علاقة لها بسياسة أو منصب وغير ذلك. كما أن المراجع قد قالوا كلمتهم الداعية إلى عدم السكوت في هذا المجال.
/ صفحة 29 /
2 ـ إن التكليف الشرعي ـ حيث يراد الإلزام بالحجة ـ هو الحكم وهو الفيصل وليس الخوف من القدرات المادية أو من التعرض للأذى. أو غير ذلك، وقد قال تعالى: {الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل}(1).
3 ـ لو كان هذا المنطق هو الحاكم ويسمح للناس بالانسحاب من الساحة والاسترخاء، فقد كان المفروض بالأنبياء والأوصياء والمصلحين أن ينسحبوا من ساحات التصدي والمواجهة، لئلا يتعرضوا للأذى، ولأن الآخرين كانوا على مدى التاريخ أكثر استجماعا للقدرات المادية، من إعلامية وغيرها، وأكثر جمعا للناس من حولهم.
ثمة من يتهمنا بتقديس التراث، غثه وسمينه، على قاعدة: {إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون ـ أو مهتدون}(2).
فمثلا: لماذا تقديس كتاب سليم بن قيس؟!
أليس لأنه وثيقة تراثية؟!
ــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران: آية 173.
(2) سورة الزخرف: آية: 22 ـ 23. (*)
/ صفحة 30 /
ونقول:
إننا لسنا بحاجة إلى التأكيد على أن ما يلزمنا من التراث هو ما ثبت لدينا بالأدلة العلمية الصحيحة، والقاطعة للعذر، على نحو يفرض علينا التمسك به، والدفاع عنه، وعدم السماح لأي كان بالمساس به، من حيث أنه يمثل حقيقة دينية وإسلامية.
وأما بالنسبة لكتاب سليم، فقد قلنا: إن وثاقة مضمونه عندنا ـ وهو عند غيرنا من العلماء كذلك ـ لا تعني أن ذلك لأجل كونه تراثيا، بل لأجل ثبوت ذلك بالدليل.
وقد غاب عن هؤلاء: أننا في نفس الوقت الذي أكدنا فيه على قبولنا كتاب سليم بن قيس على أساس الدليل، فإننا ناقشنا كتاب "مؤتمر علماء بغداد" وكان لنا رأي تجاهه. وقد سجلناه في نفس كتابنا مأساة الزهراء(ع).
وأن منهجنا العلمي في "كتاب مأساة الزهراء(ع)" كما هو في سائر كتبنا يثبت حقيقة أننا أبناء الدليل كيفما مال نميل..
ونحن نقول لكل من يدعي علينا أمرا:
لا يكفي إطلاق التهم، بل لا بد من إقامة الدليل القاطع عليها، وإلا فإن من يطلقها سيكون هو المتهم الذي قد لا يستطيع إثبات براءته مما أوقع نفسه فيه.
/ صفحة 31 /
هذا ونود أن نشير هنا إلى أننا حين تحدثنا عن كتاب "مؤتمر علماء بغداد"، فإن محط نظرنا كان نفس الكتاب، من حيث أنه تأليف من؟!
وفي أي زمان ألف؟!
مع إلماحة إلى بعض المطالب الواردة فيه. واعتمدنا في ذلك على النسخ المطبوعة والمنتشرة، ولعل أفضلها هي النسخة التي علق عليها الأخ العلامة الشيخ محمد جميل حمود، وطبعت تعليقاته في هوامشها، وهي ـ والحق يقال ـ تعليقات نافعة ومفيدة، وقد أتعب نفسه في جمع مصادرها والإشارة إلى الشواهد الدالة على وجود كثير من مضامين ذلك الكتاب في غيره من الكتب المعتبرة، فشكر الله سعيه، وسدد الله خطاه.
وقد يقال أو يشاع: أن موضوع الكتاب هو من الأمور الهامشية التي لا أهمية لها، فلماذا نشتغل بها؟ مع أن البعض مشغول فيما هو أهم، ونفعه أعم. وهل هذا إذا من قبيل التنازع في جنس الملائكة، في حين أن الآخرين قد وصلوا إلى المريخ؟!
أليس ذلك دليل ضيق الأفق، والتحجر، والتخلف الفكري؟!
/ صفحة 32 /
ونقول:
1 ـ ليت شعري من الذي طرح هذا الأمر وسواه من أمور كثيرة، ولم يزل يصر عليها في وسائل إعلامه، ويصرف الجهد ويجند الطاقات المادية، والبشرية، والمعنوية للتأكيد عليها، وتكريسها؟!!
ثم هو لم يزل يتهجم على علماء الأمة ومراجعها، ويوجه إليهم شتى أنواع التهم من أجل خصوص هذه الأمور. وقد شغل الناس والعلماء بها طيلة هذه الأشهر والسنين العديدة والمديدة.
2 ـ إن النزاع مع هذا البعض ليس في جنس الملائكة، ولا هو من قبيله، وإنما هو في أمور حساسة وهامة، وبعضها له مساس بالإمامة، والعصمة، وبمواصفات الأنبياء(ع)، والأئمة (ع) وبدورهم، وبغير ذلك من أمور دينية..
أما قضية الزهراء(ع)، فإن هذا البعض ينكر حصول أي عنف ضدها وفي بيتها سوى التهديد الصوري بالإحراق.
وهذا على خلاف ما كان قد أعلنه في مدينة قم المشرفة، في خطبة له في حسينية الشهيد الصدر، حيث يقول فيها بالحرف الواحد: ".. حفل التاريخ والحديث، وتضافرت الروايات، من أنها ضربت، وأنها أسقطت جنينها.. وأنها.. وأنها.."(1).
ــــــــــــــــــــ
(1) هذا النص للمحاضرة نشر في مجلة: قضايا إسلامية (قم) العدد الأول: ص 13، وهو في محاضرة مسجلة بصوته على شريط كاسيت، موجود لدى = (تابع هامش الصفحة التالية)
/ صفحة 33 /
ولكنه قد عاد إلى الإنكار من جديد.. وأعلن ذلك في مرات عديدة، قائلا عبر إذاعة صوت الإيمان، إنه لم يعتذر ولم يتراجع، بل تكلم بما يوافق نظر الآخرين خوفا من الفتنة، مع أنه عاد بعد هدوء هذه "الفتنة" إلى قم وخطب خطبته هذه، والتي تضمنت ما عرفت!
ــــــــــــــــــــ
(ما قبله من الصفحة السابقة)= الكثيرين، وهذه الخطبة كان قد ألقاها في حسينية الشهيد الصدر في قم المقدسة بتاريخ 21 شعبان سنة 1414 أي حوالي سنة 1993 م.
ولكن مجلة رؤى ومواقف في العدد رقم: 3 ص 22 ونشرة بينات: تاريخ 16 ـ 5 ـ 1997 م قد أعادت نشر هذه الخطبة بالذات ولكن مع تغييرين، هما:
1 ـ جعل تاريخ المحاضرة هو سنة 1995 م بدلا من التاريخ الحقيقي خصوصا أنه لم يذهب إلى قم في تلك السنة.
2 ـ التغيير في العبارة والزيادة عليها بما يزيل التناقض في مواقف قائلها، ويغطي على التراجع ـ الذي عاد ليتراجع عنه أيضا في هذه المدة المتأخرة، فأصبحت العبارة هكذا:
" حفل التاريخ بأحاديث تنوعت (!!)، من أنها ضربت، وأسقط جنينها، وأنها، وأنها.. لكنها لا تنفي الإساءة إلى حرمتها، وحرمة بيت النبوة، بالهجوم عليه، والتهديد بإحراقه، حتى ولو كانت فاطمة(ع) في داخله".
فتبديل كلمة: "تضافرت" بكلمة: "تنوعت" واضح الهدف، فإن التضافر يفيد: أن الروايات كلها منصبة على معنى واحد تثبته وتؤكده وهو الأمر الذي أردنا إثباته في كتاب "مأساة الزهراء(ع)، أما كلمة: "تنوعت" فتفيد أن كل رواية تحكي أمرا يختلف عن غيره، فليس فيها تأكيد على أمر واحد..
وقد جاءت الزيادة في العبارة لأجل تأكيد ذلك أيضا فلاحظ وقارن فهذا التصرف والتزوير يعطينا ويؤكد لنا عدم إمكان الاعتماد على ما ينقلونه لنا. وليس هذا هو الشاهد الوحيد على ذلك. فلدينا من أمثاله الكثير..)(*).
/ صفحة 34 /
الأمر الذي اضطرنا بعد تردد طويل، وبعد محاولات فتح حوار معه، ثم محاولات لحصر الموضوع في نطاق خاص، باءت كلها بالفشل ـ اضطرنا ـ إلى كتابة كتابنا: "مأساة الزهراء(ع) شبهات وردود".
فواجه البعض هذا الكتاب بطريقة انفعالية، وتحريضية.. ثم لم يزل ينفق الأموال، ويشجع على نشر ردود فيها الكثير من الأباطيل والأضاليل، ويعمل على تركيز مقولته تلك وترسيخها، وإبطال الظلم الذي حاق بالزهراء(ع)، وتبرئة الظالمين.
وقد أثبتنا في كتاب "مأساة الزهراء(ع)" أن هناك أزيد من هذا التهديد بالإضافة إلى أمور إيمانية أخرى تعرضنا لها إجمالا تارة وتفصيلا أخرى. كما يظهر لمن راجع الكتاب المذكور، ونظر فيه بتجرد وإنصاف.
ومن المؤاخذات التي طولبنا بها قولهم: إذا كان ذلك البعض قد لهج بهذه الأمور، وسجلها في مؤلفاته منذ سنوات طويلة، فلماذا تأخرت الإعتراضات إلى هذه المدة الأخيرة..
ونجيب:
1 ـ إن كتابات ذلك البعض لم تكن موضع إهتمام العلماء في بحوثهم وتحقيقاتهم، لأنهم يعتبرونها مجرد كتب مطالعة لجيل
/ صفحة 35 /
الشباب. وليست متداولة فيما بين العلماء والمحققين والباحثين، بل كان المهتمون بكتبه هم ـ في الأكثر ـ فريق خاص، تربطهم به علاقات خاصة، وحالة معينة.
2 ـ أما بالنسبة لقضية الزهراء(ع) فقد بدأت الاعتراضات على مقولاته فيها وفي غيرها قبل سنوات، فقد قامت ضجة حولها في سنة 1993م. وتراجع البعض عن مقولاته، وتراجعه هذا مسجل ومكتوب، ثم عاد في الآونة الأخيرة لينقض ذلك التراجع، تحت شعار الانحناء أمام العاصفة، وأما بالنسبة لسائر طروحاته فقد كان هناك قدر كبير من حسن الظن، وأخذ الأمور على طبيعتها، ومن موقع الثقة، حيث لم يكن ثمة مبرر لتوهم اشتمال تلك المؤلفات على ما يتعارض مع موجبات حسن الظن هذا..
مع ملاحظة: أن أكثر تلك المؤلفات قد وضعت وكتبت في ظروف الحرب، التي تفرض سلبياتها في المجالات المختلفة، ومنها مجال تداول المؤلفات من قبل أهل الاختصاص والعلماء والشباب المؤمن والواعي للتدقيق فيها ومحاكمتها.
وهذه الظروف بالذات وغيرها قد أبعدت مؤلف هذه الكتب عن الاحتكاك المباشر بأفذاذ العلماء، وكبار المحققين في الحوزات العلمية، إلا في زيارات رسمية خاطفة، لا تسمح باستشراف عمق أفكاره، والوقوف على حقيقة قناعاته.. حتى لو
/ صفحة 36 /
طرحت للتداول، فإن ذلك لا يستبطن ـ بالضرورة ـ معرفتهم بأن تلك هي قناعاته الأخيرة.
لا سيما وأنه إنما يطرح تلك الأفكار تحت شعار تحريك الجو العلمي، الذي لا يحتاج إلى أكثر من إفتراض فكرة، ولو كانت واضحة الفساد.
ومن الأمور التي سمعناها قولهم:
بأننا قد شهرنا بالبعض وظلمناه، حين نشرنا كتابا يحاكم آراءه وأقاويله ويفندها.
ونقول:
1 ـ إننا لم نكن نرغب في الحديث هنا عن ظالم ومظلوم، لأن القضية ليست قضية شخصية أساسا.
وحين تصبح شخصية فلن يكون لطرحها، وتداول الحديث عنها، وفيها، بهذه الطريقة مجال ولا مبرر.
وكان ينبغي أن يتمحض الحديث عن الحقيقة المظلومة، التي يراد تغييبها عن الناس، الذين لهم كل الحق في اكتشافها وامتلاكها، والإحاطة بها والتعرف على دقائقها.
/ صفحة 37 /
كما أننا لا نرغب في الحديث عن ظلم يمارس تحت شعار العدل!!
ولا عن ظلم يقال للناس عنه: إنه صفح وعفو عن الضحية كما نسمعه من البعض، مرة بعد أخرى..!!
أما إذا كان ثمة حديث عن ظالم ينتحل صورة الورع التقي، الذي يمارس جريمته من موقع الرحمة والإحسان، ليكون بذلك إنسانا إلهيا، لا يفكر بالقضايا الصغيرة والهامشية، فلسنا نتصور أن يحدث أمر كهذا إلا في نطاق ثورة تجديدية للقيم والمفاهيم، وهي التي يرى بعض رواد الحداثة: أنها أصبحت من التراث الدارس في الماضي البعيد والسحيق.
ومهما يكن من أمر: فإن المطلوب هو أن لا يكون ثمة ظلم للحقيقة، ولا للقيم، ولا للمثل العليا.. فإن ذلك يكون أفحش من كل ظلم يمكن الحديث عنه.
2 ـ وحيث أصبح لا بد من الإشارة ـ رغما عنا ـ إلى ما طلب منا الإشارة إليه، فإننا نقول:
إننا نستغرب أن يصبح الظالم مظلوما، والمظلوم ظالما إلى درجة أن يعترض هؤلاء على نشر كتاب يفند مقولات البعض، ولا يعترضون عليه هو من أجل طرح مقولاته تلك وإشاعتها، رغم دعوتنا له لمناقشة هذه الأمور أمام العلماء وأهل الفكر قبل طرحها على الناس العاديين، فأجابنا في نشرة بينات بتاريخ 25 ـ 10 ـ 1996 م. فقال:
/ صفحة 38 /
".. أنا لا أؤمن بأن الناس عوام يجب أن نبقيهم على جهلهم... إلى أن قال: إني أرى أن من الخطأ إثارة القضايا في المجالس الخاصة وحسب، بل لا بد من أن نثيرها في المجالس العامة ".
فنحن مع هذا البعض كما قال الشاعر:
يظلمني ثم أسمى ظالما * يشتمني ثم أسمى شاتما
3 ـ وأما التشهير ـ لو صح ـ فمن الواضح: إن ذلك البعض هو الذي شهر بنفسه بمبادرته إلى التشكيك من على المنابر، وعبر أثير الإذاعات، والكتب والصحف، والمجلات، وغيرها... في أمور لا تقبل التشكيك، لوضوحها، ولقيام الأدلة القاطعة عليها، ولا ننسى أن التصريح باسمه إنما جاء من قبل من تصدوا من قبله هو للدفاع عنه.
كما أنه هو الذي لم يزل يعمل على نشر هذه الأقاويل وإشاعتها، كما هو واضح للعيان.
ومما أخذ علينا في هذا الكتاب: أننا ذكرنا أنه ينقل عن السيد شرف الدين في أوائل الخمسينات خبرا يتعلق بالهجوم على بيت الزهراء (ع)، وحين يسأله البعض عن مقدار عمره حينئذ يجيب بقوله: 22 أو 23 سنة.
/ صفحة 39 /
حيث قلنا هناك: إنه إذا كانت ولادته في سنة 1935م.(1).
فإن عمره لا بد أن يكون حينئذ أقل من ذلك بكثير.
وقد أشاعوا: أن ذلك يمثل إتهاما لذلك القائل بالكذب، وتلك جريمة كبيرة وخطيرة بنظر هؤلاء.
ونقول:
قد أجبناهم عن ذلك بما يلي:
أولاً:
إن اللغة التي تحدثنا بها هي لغة الخطأ والصواب، وإصابة الواقع وعدمها، أما دوافع وأسباب وقوع المخطئ في خطأه فذلك ليس من اهتماماتنا، والمخطئ هو المسؤول عن تبرير ما يصدر منه، ولم نتحدث باللغة الأخلاقية أو الشرعية. من حيث كون ذلك من مفردات الكذب أو الصدق، الذي يعني أنه قصد أن يخبر بغير الواقع من دون سبب أو عذر، أو لم يقصد ذلك.
ثانياً:
إننا إنما كنا نناقش طبيعة الدقة في النقل من حيث القدرة على ضبط التعابير في قضية مضى عليها أكثر من (40) عاما،
ــــــــــــــــــــ
(1) راجع: مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 23 وص 210 عن كتاب: أسئلة وردود من القلب. لكن جاء في المصدر نفسه ص 299 وص 282 و 127 أنه ولد سنة 1936 وجاء في ص 122 عن جريدة الديار عدد 19 ـ 4 ـ 1992: أنه ولد في النجف الأشرف 19 ـ شباط ـ 1934 الموافق 19 ـ شعبان ـ 1354 ونشرت المقابلة نفسها في كتاب (آفاق الحوار الإسلامي المسيحي): ص 351 فراجع.. (*)
/ صفحة 40 /
لأن هذا النقل يشكل إحدى ركائز الاستدلال عند هذا البعض على نفي مسألة الهجوم على بيت الزهراء (ع) وما تبع ذلك من تفاصيل، وهو الذي يقول: "عندما يريد الإنسان أن يتذكر طفولته من خلال هذا التاريخ الذي أصبح ـ إلى حد ما ـ تاريخا سحيقا يرقى إلى أكثر من خمسين سنة، فمن الطبيعي أن لا يتذكر الإنسان كل ملامحه التفصيلية"(1) وهو كلام واقعي سليم.
وقد وجدنا صدق هذا القول في العديد من القضايا ليس في قضية السيد شرف الدين وحسب، وإنما في موارد أخرى أيضا، ونذكر هنا خصوص الموارد التي وقع الخطأ فيها في عمره ولا نتعرض لسواها. إلا في مورد واحد، لتكون نموذجا يحكي عما عداه، فنقول:
1 ـ لقد سئل البعض عن عمره حين خروجه من المدرسة والالتحاق بالحوزة: "كم كان عمرك في ذلك الوقت؟! ".
فأجاب: "كنت في عمر الحادية عشرة.."(2).
ــــــــــــــــــــ
(1) تحدي الممنوع: ص 23.
(2) مجلة المرشد: العددان: 3 ـ 4 ص 19 عن أسئلة وردود من القلب. (*)
/ صفحة 41 /
ولكنه في مورد آخر يتحدث عن نفسه، فيقول: ".. ومن خلال ذلك بدأت طلب العلم الديني في سن مبكرة جدا، أظن أنها كانت سن التاسعة من عمري"(1).
2 ـ وفي مورد آخر يقول: ".. أستطيع القول: إنني انتسبت إلى الحوزة الدينية حوالي سنة (1363هـ) وكان عمري آنذاك إحدى عشرة سنة.."(2).
والفرق واضح بين العبارتين فهو تارة يقول: إن عمره كان تسع سنوات وأخرى يقول: كان عمره إحدى عشرة سنة، وتارة يظن وأخرى يجزم.
ثم نجد الفرق كذلك في مضمون العبارة الثانية، حيث إنه إذا كانت ولادته هي سنة 1354ه. (3). فإن عمره حينئذ هو تسع سنوات، لا إحدى عشرة سنة، كما ذكره هو في نفس هذا النص.
3 ـ وفي قصة متفجرة بئر العبد المعروفة، التي هي حدث
ــــــــــــــــــــ
(1) مجلة المرشد العددان 3 ـ 4 ص 56 عن تحدي الممنوع ص 26.
(2) مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 62، عن تحدي الممنوع: ص 43.
(3) راجع: تحدي الممنوع: ص 19، لكنه ذكر أيضا أنه ولد في سنة 1936 م. وكذا في المرشد: ص 127، مع أن ذلك إنما يوافق سنة 1935 م.، فراجع المرشد: العددين 3 و 4 ص 210، ومعجم رجال الفكر والأدب. والملفت أكثر هو تعدد سنوات المواليد له فقد ذكر أنه ولد سنة 1935 م. و 1936 م. و 1934 م. راجع هامش ص 39. (*)
/ صفحة 42 /
بل منعطف تاريخي هام جدا في حياة البعض بل هي نقطة "البروز الأكبر" له(1) على حد تعبير بعض مادحيه نراه:
يقول:
"لقد تعرضت لأكثر من محاولة اغتيال قبل المحاولة الفاشلة التي تعرضت لها في منطقة بئر العبد عام 1984 ميلادية"(2).
ويقول:
"أما بالنسبة لانفجار بئر العبد عام 1984 الذي حاولوا اغتيالي من خلاله الخ.."(3).
مع أن انفجار بئر العبد إنما كان في 8 ـ 3 ـ 1985 وهو الذي أودى بحياة 80 شخصاً(4). وكتاب تحدي الممنوع إنما طبع سنة (1992) أي بعد سبع سنوات فقط من حدوث هذه المجزرة، وقد نسي هذا البعض تاريخ أعظم حدث واجهه في
ــــــــــــــــــــ
(1) مجلة المرشد: العددان: 3 ـ 4 ص 299 والعبارة: هكذا: "والبروز الأكبر كان بعد عام 1982 ثم في أعقاب الانفجار الضخم في بئر العبد عام 1984 الذي جعله محط الأنظار".
(2) تحدي الممنوع: ص 87.
(3) التحدي الممنوع: ص 88.
(4) مجلة المرشد: ص 128 عن جريدة الشعب المصرية بتاريخ 6 ـ 8 ـ 1993 م. وكتاب الحجاب "الحروب الخفية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية" ص 344. (*)
/ صفحة 43 /
حياته، فكيف لا ينسي حدثا مضى عليه أكثر من أربعين سنة حول موضوع ليس من إهتماماته ـ على حد قوله كما أشرنا إليه في العديد من المناسبات.
4 ـ ونجده يقول في مورد آخر: "بدأنا نصدر مجلة خطية باسم (الأدب). وكنا نحررها في سن العاشرة، أو الحادية عشرة في ذلك الوقت، وكنا نكتب عددا كلما زاد مشترك"(1).
ثم هو يقول:
"في ذلك الوقت أصدرنا مجلة مكتوبة اسمها (الأدب) وكتبت فيها موضوعين، واستكتبنا بعض الأشخاص، وكنا نحاول لدى كل مشترك جديد أن نكتب، ونصدر نسخة جديدة. وكان المرحوم السيد مهدي يحسن الكتابة جيدا. أصدرنا خمسة أعداد من هذه المجلة ما بين أعوام 1949 و 1950."(2).
ومقتضى هذا النص الأخير: أن عمره كان حين إصدار المجلة هو 13 ـ 14 سنة بناء على أن ولادته كانت سنة 1936 م.
ــــــــــــــــــــ
(1) مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 57، وكتاب تحدي الممنوع: ص 289.
(2) مجلة المرشد: العددان 3 ـ 4 ص 20 عن كتاب أسئلة وردود من القلب. (*)
/ صفحة 44 /
أما لو كانت ولادته سنة 1935 م. أو سنة 1934 م. ـ كما علم مما تقدم متنا وهامشا ـ فإن عمره سيزيد سنة أو سنتين ليصبح 14 ـ 15 سنة أو 15 ـ 16 سنة.
وعلى جميع التقادير، فإن قوله: إن عمره كان حين إصدار تلك المجلة في سن العاشرة أو الحادية عشرة ـ ليس دقيقا.
وإذا كان مراد ذلك كله هو ـ كما قال هو نفسه ـ أن ذلك أصبح إلى حد ما تاريخا سحيقا فمن الطبيعي أن لا يتذكر الإنسان كل ملامحه التفصيلية.
فليكن ما ذكره عن الإمام السيد شرف الدين، هو الآخر بعض هذا الماضي السحيق الذي يصعب تذكر تفاصيله بدقة، تغير في تغيير حقائق التاريخ، من وجهة نظر السيد شرف الدين على الأقل.
والملفت هنا: أن بعضهم قد اتهمنا بسوء الفهم، لأجل عدم تمييزنا ـ بزعمه ـ بين التاريخ الهجري الذي قصده البعض في مدة عمره حين سمع من السيد شرف الدين، وبين التاريخ الميلادي الذي قصده البعض في كلامه في تحديد سنة اللقاء في مسألة السيد شرف الدين نفسها.
/ صفحة 45 /
ونقول:
إن من الواضح: أن كل ثلاثة وثلاثين سنة ميلادية تزيد السنة الهجرية عليها سنة واحدة فقط.
فهذه النظرية التي ابتدعها هذا القائل، لا تستطيع أن تحل الإشكال في هذه المفردات التي أشرنا إليها لكون الفارق كبيرا، ولكون عدد السنوات فيما بين الحدين كثيرا. وقد حددت بالكلمات والحروف لا بالأرقام.
وفي حديث لنا مع بعض المسؤولين في المركز الإسلامي الثقافي، نجده يعترض علينا، فيقول ما مفاده:
إن الحقيقة ليست ملكا لأحد، فلا يستطيع أحد حتى المجتهد أن يدعي أنه يملك الحقيقة كل الحقيقة. والإسلام باستثناء البديهيات عبارة عن اجتهادات بشرية في فهم النصوص، فكل التراث الفقهي فكر بشري وليس إلهيا.
وعليه فلا معنى لإصدار أحكام قاسية ـ كما هو الحال في كتاب مأساة الزهراء(ع) ـ ضد من يخالف في الرأي، فالحقيقة ليست ملكا لأحد.
بل يقول البعض أيضا: إن الحقيقة نسبية!!
/ صفحة 46 /
ولم نكن نريد التعرض إلى هذا الاعتراض لو لا أننا وجدنا أخيرا هذا البعض قد سجل ذلك بصورة أكثر وضوحا في بعض مؤلفاته..
فإنه بعد أن ذكر: أنه ليس من شك في أن القرآن كتاب الله، ولكن كلمات القرآن تبقى خاضعة لاجتهاد المفسرين والعلماء.
بعد أن ذكر ذلك في جملة كلام له، قال:
"ونحن نعتقد، من خلال ذلك، أن كل ما جاءنا من تراث فقهي، وكلامي، وفلسفي، هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين، من خلال معطياتهم الفكرية. ولا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة، على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة، وبهذا فإننا نعتبر أن كل الفكر الإسلامي ـ ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية ـ هو فكر بشري، وليس فكرا إلهيا، قد يخطئ فيه البشر في ما يفهمونه من كلام الله وكلام رسول الله (ص)، وقد يصيبون.
وعلى هذا الأساس فإننا نعتقد أنه من الضروري جدا أن ننظر إلى التراث المنطلق من اجتهادات المفكرين ـ أينما كانت مواقع تفكيرهم ـ نظرة بعيدة عن القداسة في حياتهم ومؤهلاتهم الروحية والعملية في حياة الناس الآخرين فيمن قد يكونون على مستوى المراجع أو الأولياء في تقواهم لله سبحانه وتعالى، لأن ذلك شئ ومسألة الفكر شئ آخر. ولذلك فإننا ندعو إلى دراسة
/ صفحة 47 /
التراث دراسة ناقدة، نعيش فيها شخصيتنا الفكرية، ونعيش فيها انفتاحنا الفكري الذي عاشه الأقدمون في ما مارسوه من تجربتهم الفكرية"(1).
ونقول:
إن هذا الاعتراض ـ وإن كان ظاهر البطلان ـ ولكنه مع ذلك يعتبر على درجة عالية من الخطورة، وذلك يجعله أكثر الإعتراضات أهمية وحساسية.. ونحن نذكر هنا بعض المآخذ.
على أن تستكمل هذه المؤاخذات في فرصة أخرى، يمكن معها التوسع في البيان والمعاني.
فنقول:
1 ـ إذا كان كل ذلك بشريا، ـ باستثناء بديهيات محدودة منه ـ عبر عنها البعض البعض بالثابت ـ كالتوحيد، والنبوة، والمعاد، ومسلمات الشريعة، مثل: وجوب الصلاة، والصوم، والجهاد، والحج، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الزنا والسرقة، والخمر، والميسر، والنميمة، واللواط، والغيبة وقتل النفس المحرمة، ونحوها مما لا يخرج عن دائرة العناوين العامة جدا، دون تفاصيلها، فإن التفاصيل تدخل في نطاق الاجتهادات الشخصية البشرية، غير الإلهية وهو ما عبر عنه
ــــــــــــــــــــ
(1) راجع: حوارات في الفكر والسياسة والاجتماع: ص 480. عن مجلة الموسم: عدد 8 سنة 1990 م. (*)
/ صفحة 48 /
البعض بالمتحول(1).
إذا كان كذلك، فلماذا ندعو غير المسلمين للدخول في الإسلام، فهل ندعوهم لخصوص هذه البديهيات في عناوينها العامة والغائمة، واليسيرة جدا؟ أم ندعوهم إلى وجهات نظر أشخاص، هم بشر مثلهم؟!.
وحين يقال: إن علينا أن نقدم الإسلام للآخرين باعتباره دينا، وفكرا، وقانونا قادرا على حل جميع المشكلات، وهو النموذج الأمثل للبشر جميعا، وفي كل مجال، فأي إسلام نقدم؟
هل نقدم خصوص البديهيات؟ أم نقدم الفكر البشري، ونقول لهم: هذا الفكر البشري هو الإسلام الذي أنزله الله تعالى لعباده؟!
وأي فكر من أفكار هؤلاء البشر نقدم للناس؟
2 ـ إن كان المقصود بالبديهي هو الذي لم يناقش أحد فيه، فإن ذلك لا يصح، وذلك لأن وجود النقاش في أمر من الأمور لا يعني صيرورته فكرا بشريا، وقد ناقش الكثيرون في وجود الله، بل أنكروه، ويناقش غير المسلمين في نبوة النبي (ص)، ولا يعني ذلك صيرورتهما فكرا بشريا، وتناقش طوائف كثيرة في فكرة الإمامة، ولا يعني ذلك صيرورتها فكرا بشريا، ويناقش كثيرون في حقائق دينية وأحكام شرعية، ولا يعني ذلك أن تصبح تلك الأحكام أو الحقائق فكرا بشريا.
ــــــــــــــــــــ
(1) راجع مقالة الأصالة والتجديد في مجلة المنهاج: العدد الثاني: ص 60. (*)
/ صفحة 49 /
خذ مثلا على ذلك محاولة البعض تحليل نظر الرجل إلى عورة الرجل ونظر المرأة إلى عورة المرأة(1)، مع أن حرمة ذلك من الأمور القطعية، وهذا الحكم بالحلية من قبل البعض لا يجعل هذا الحكم الثابت ـ أعني الحرمة ـ فكرا بشريا.
وإن كان المقصود بالبديهي هو الأمر الذي، يعرف وجه الحق فيه بمجرد التوجه والإلتفات إليه..
فإن من الواضح: أن الحقيقة الإسلامية وإن لم تكن بديهية في نفسها، أو لم تكن بديهية عند البعض بهذا المعنى، ولكنها لما كانت تنال بواسطة الأمارات والحجج والأدلة الشرعية عليها، فاستخراج الحقيقة من الدليل، أو تحصيل الإجماع عليها بعد بذل الجهد والعناء الطويل لا يجعلها فكرا بشريا. لمجرد أنها ليست من الأمور البديهية.
وكذا الحال لو لم تكن بديهية عند البعض كمثال النظر إلى العورة المذكور آنفا.
غير أن بعض الأحكام أو بعض الأمور قد لا يكون الدليل عليها حاسما وقاطعا فإذا أخطأتها الأمارات والأدلة التي لسانها لسان الكاشفية، صار المكلف معذورا في مخالفته للحكم الواقعي أمام الله سبحانه وتعالى، غير أن العمل وفق القواعد المقررة شرعا يجعل جميع النتائج متصفة بصفة الإسلامية والإلهية، حتى
ــــــــــــــــــــ
(1) راجع: كتاب النكاح: ج 1 ص 66. (*)
/ صفحة 50 /
وإن لم يصب الحكم الواقعي فإن صحة العمل لتحصيل العذر أمام الله تعالى من خلال تطبيقه على الوسائل المجعولة والمنصوبة من قبل الشرع هو حكم إلهي وليس فكرا بشريا فقولهم: إن البديهيات فقط هي التي تتصف بكونها فكرا إلهيا لا يصح (لو صح استعمال كلمة: فكر إلهي).
أما حيث يكون التكليف هو العمل بالوظيفة الشرعية، أو إجراء الأصول في مواردها، فإن ذلك يكون هو الحكم الإلهي في حق المكلف، وهو فكر إلهي ـ على حد تعبير البعض ـ لا بشري، لأن الله هو الذي عين له العمل بهذه الوظيفة، أو بذلك الأصل في أمثال تلك الموارد.
فالمورد يتصف بالشرعية والإسلامية والإلهية لكونه من الموارد المقررة إلهيا وإسلاميا لهذه الحالة وللحالات المماثلة.
3 ـ إننا نفهم بعمق محاولة البعض إظهار التشيع على أنه فكر بشري حيث يقول: "لتكون المسألة السنية والشيعية مسألة مدرستين في فهم الإسلام"(1) وأن التشيع مجرد وجهة نظر حين يقول: "وقد تكون القضية المطروحة هي أن لا يكون التشيع فيما هو التشيع وجهة نظر ، في خط الإسلام حالة معزولة عن الواقع العام للمسلمين، الخ.."(2).
ــــــــــــــــــــ
(1) مجلة المرشد: العددان: 3 و 4 ص 68.
(2) تأملات في مواقف الإمام الكاظم (ع): ص 94. (*)
/ صفحة 51 /
ثم يجعل الإمامة، من "المتحول الذي يتحرك في عالم النصوص الخاضعة في توثيقها ومدلولها للاجتهاد، مما لم يكن صريحا بالمستوى الذي لا مجال لاحتمال الخلاف فيه، ولم يكن موثوقا بالدرجة التي لا يمكن الشك فيه. وهذا هو الذي عاش المسلمون الجدال فيه كالخلافة والإمامة، والحسن والقبح العقليين الخ.."(1).
فإن ذلك يستبطن استبعاد النص على الإمامة، واعتبار الإمامة بل التشيع كله، اجتهادا بشريا جاء به الأئمة(ع) كأي اجتهاد بشري آخر جاء به الآخرون وليس فكرا إلهيا، لأن الإمامة ليست من البديهيات عند بعض المسلمين، منذ وفاة الرسول (ص) على حد زعم البعض، فهي إذن فكر بشري قابل للاجتهاد وليس إلهيا ـ على حد تعبير البعض ـ. ولو كان بديهيا لزم خروجهم عن الإسلام الأمر الذي لا يلتزم هو به.
وهل وجود شبهة في أمر بديهي لدى البعض يجعل البديهي وجهة نظر؟ ويجعله فكرا بشريا؟ ثم يجعله من المتحول كالإمامة؟!
4 ـ إن البديهيات لا تحتاج إلى إيجاب التفقه والاجتهاد أو التقليد، أو الاحتياط، على الناس.
ــــــــــــــــــــ
(1) مجلة المنهاج: عدد 2 ص 60 مقالة: الأصالة والتجديد. (*)
/ صفحة 52 /
أما فيما عداها مما يسمى بـ "الفكر البشري" فلا معنى أيضا لإيجاب ذلك كله، ولا داعي له.
5 ـ وإذا اعترف شخص ما ببديهيات الإسلام، وأراد أن يأخذ فيما عداها بالقوانين الوضعية، أو أراد أن تكون له هو وجهات نظر بشرية غير إلهية، فلماذا يعتبر مبتدعا، وتعتبر كتبه كتب ضلال ليواجه الحكم القاسي على أهل البدع، وتحريم كتبه لأنها كتت ضلال؟ وما هو الفارق الذي جعل الفكر البشري مقبولا هنا ومرفوضا هناك؟
وقد يقال: إن وجود ما عدا البديهيات ـ على سبيل الإجمال ـ يعتبر أمرا بديهيا فهو إلهي أيضا.
أو يقال: إن وسائل إنتاج الفكر البشري المقبولة هنا، غير مقبولة في القوانين الوضعية.
ويجاب: بأنه كيف يتحول الفكر الإلهي ـ على حد تعبيرهم ـ إلى فكر بشري؟ وكيف يعامل الفكر البشري على أنه فكر إلهي من أجل ذلك؟!. فإنه في كلا الموردين ليس إلهيا، والباء في كلا الموردين واحدة فلماذا تجر تارة ولا تجر أخرى.
6 ـ لنفترض: أن الناس قد رفضوا الإلتزام بما سمي بالفكر البشري، فهل يمكن أن يشعروا بأية حساسية أو حماس تجاه ذلك الفكر تدفعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى الجهاد، وبذل الأنفس، والأبناء، والأموال في سبيله؟
/ صفحة 53 /
وكيف يمكن أن نقنعهم بالتضحية بأنفسهم وأبنائهم؟! من أجل فكر بشري...
وهل كل جهود وتضحيات الأنبياء والأصفياء والشهداء كانت في سبيل تكريس وجهات نظر بشرية تختلف وتتضارب فيما بينها؟!..
وهذا الفكر البشري "الإسلام" بماذا يمتاز عن أي فكر أو قانون بشري وضعي آخر، يدعي واضعوه: أنه يكفل للناس سعادتهم، ويحل لهم مشاكلهم؟!
ألا يعني ذلك أن يصبح هذا الإسلام، الفكر البشري الذي لا روح فيه، مجرد ترف فكري أو وجهات نظر أشخاص يتداولها الناس في صالوناتهم الفاخرة، ويتفكهون بها في مكاتبهم وحفلاتهم الساهرة؟!.
7 ـ إذا كان ما يفهمه العلماء من نصوص وظواهر القرآن والسنة فكرا بشريا، فلماذا أخفى الله سبحانه "فكره الإلهي" على حد تعبيرهم؟ وجعله رهينة التكهنات والتخيلات البشرية؟
وأية فائدة تبقى من بعث الأنبياء، ومن وضع التشريعات الإلهية، ما دامت أن هذه التشريعات ستصبح لا أهمية لها، لأن الميزان حينئذ هو تلك التصورات البشرية عنها وبالتالي ستنقطع الصلة مع الله على هذا الأساس؟!
وكيف نوفق بين هذا، وبين طلب الشارع من الناس أن يأخذوا بظواهر الكتاب والسنة، واحتجاجه بهما على العباد، ثم
/ صفحة 54 /
المثوبة والعقوبة على أساس ذلك، مع أنهما ـ حسب قول هؤلاء ـ غير قادرين على إثبات الفكر الإلهي، وإيصال حقائق الدين والشريعة إلى الناس.
وهكذا الحال في سائر الحجج التي سوف يطالبنا الله تعالى بها على أساس الإلتزام بمراعاتها وعدمه.
وكيف جاز أن يجعل الله أمرا غير قادر على إثبات المقاصد، وسيلة لنيل مقاصده؟!
إن ذلك لعجيب حقا وأي عجيب!!
8 ـ وقبل أن نختم حديثنا نشير إلى عدم صحة مقولة:
نسبية الحقيقة، فإن ذلك من سخف القول. وزائف الكلام لأن الحقيقة هي الحقيقة أخطأها من أخطأ، وأصابها من أصاب. فلا اختلاف فيها على حد اختلاف درجات الألوان أو درجات الحرارة والبرودة لتكون نسبية.
وأما الاختلاف في كثرة موارد إصابتها وقلتها، فهو لا يجعل الحقيقة نسبية..
ولو أريد تكريس اصطلاح كهذا، فإنه لا يفيد هؤلاء شيئا في نظرية الفكر الإلهي والفكر البشري وليصبح كل التراث الفقهي والكلامي فكرا بشريا كما يزعمون.
/ صفحة 55 /
وأبلغنا: أن من المؤاخذات على هذا الكتاب: أنه تحدث بصورة تستبطن التشكيك في أن يكون ذلك البعض هو المقصود بالاغتيال في متفجرة بئر العبد.
ونقول:
إن ذكر متفجرة بئر العبد في الكتاب إنما كان في سياق الاعتراض على مقولة:
"أنا لا يهمني ـ انكسر ضلع الزهراء أو ما انكسر"، فإن كان عدم اهتمامه ناشئا من كون ذلك حدثا تاريخيا قد مضى عليه الزمن، فإن هذا الحدث الشخصي قد مضى عليه الزمن أيضا..
ومع ذلك فهناك اهتمام بالتذكير به كل عام، حيث تصدر في هذه المناسبة تصريحات إذاعية وغيرها، تضع الناس أمام هذه الفاجعة الأليمة، ولم نكن نريد بذلك الدخول في الجوانب الشخصية والتفصيلية لهذه المجزرة البشعة، التي أودت بحياة أكثر من ثمانين شخصا بين طفل وشيخ، وإمرة وشاب.
ونعود لنؤكد هنا بأننا لن ننجر إلى الدخول في نقاش يحرف الكتاب عن الهدف الديني والعلمي المحض الذي وضع له.
/ صفحة 56 /
ومن الأمور التي أخذت على الكتاب وخصوصا التمهيد منه: أنه ـ كما يدعون ـ يشتمل على شتائم وتهجمات شخصية على البعض:
ونقول:
1 ـ إننا لا نجد لهذا القول مبررا معقولا أو مقبولا، فالتمهيد إنما عالج مقولات أطلقها البعض في سياق استدلالاته ـ على القضية التي هي موضوع كتاب مأساة الزهراء ـ لتكون جزءا منها تارة ولتخلق حالة من الحصانة والقوة والثبات لتلك الأدلة في أذهان الناس العاديين تارة أخرى.
وعلى سبيل المثال نقول: لماذا يقال للناس العاديين: أنه أنما يطرح تساؤلات حول الزهراء، أو أن انتقاد مقولاته حول الزهراء يعتبر تشهيرا به، أو أن كلامه في هذا الأمر اجتهاد؟!
بل هو يقول:
"ناقشت كل العلماء في إيران وغيرها الخ.."
أليس قوله هذا لأجل خلق حالة من الإذعان والانبهار بالأمر لدى الناس العاديين، حتى يتم اعتباره في أذهانهم في عداد الأمور المحققة اليقينية؟
/ صفحة 57 /
ولعل من لم يكن يتابع ما يصدر عن البعض من تصريحات مذاعة أو مكتوبة حول موضوع الكتاب وغيرها من الموضوعات الهامة والتي طرحت أخيرا ـ لعله ـ يعذر في تصوره أن في التمهيد بعض القسوة.
لكن من واكب، وسمع، وقرأ، وعرف وشاهد، فمن الصعب أن تجد له عذرا في إطلاق دعوى غرابة ما في تمهيد الكتاب عن الموضوعات المطروحة فيه، لأنه سيجد ما يرتفع به استغرابه واستهجانه في نفس كلمات ذلك البعض في موضوع الزهراء بالذات فضلا عن غيره من المواضيع الحساسة.
2 ـ وعدا عن ذلك كله، فهل يستطيع أحد أن يقدم لنا مفردة يصح أن يطلق عليها: أنه سباب أو شتائم؟!. أو حتى ما هو أقل من ذلك بكثير؟!
3 ـ ولا أدري، ما ذا سيكون موقف هؤلاء الناس ممن يدأب على إظهار نفسه بأنه لا يريد أن يجيب أحدا، من موقع التسامح والترفع عن الدخول في هذه الأمور، فإنه مشغول بما هو أهم ونفعه أعم؟!
ثم يواصل وصف الآخرين، وكل من يعترض عليه من العلماء حتى مراجع الدين بأوصاف لعل أهونها: التخلف في الذهنية، والعقد النفسية، والتحرك من منطلق الغرائز، وعدم التثبت، ثم يصف بعض العلماء ـ الذين لا يقبلون بمقولاته ـ عبر الإذاعة: أنه لا يملك إلا أن يقول عنهم أنهم بلا دين، هذا
/ صفحة 58 /
فضلا عن اتهامات خطيرة جدا لم يزل يرددها ويشيعها في كل اتجاه..
ونحن نفضل أن لا نثقف أحدا بهذه المفردات، فإننا نربأ بالناس عن تعلمها فضلا عن استعمالها.
أما ردود الفعل المكتوبة، التي يسخر كل ما لديه من إمكانات لترويجها ونشرها رغم ما اشتملت عليه من زخرف القول، ومن أضاليل وأباطيل، وحتى أكاذيب، فضلا عن التحريف أو التزوير المتعمد. واشتمالها على أفانين من الشتائم فقد غدت أوضح من الشمس، وأبين من الأمس، وقد أشرنا إليها في هذه المقدمة في الموضع المناسب.
ويحاول البعض أن يثير تساؤلا آخرا يرى أنه جدير بالإهتمام وبالاحترام، وهو: ألم يكن من الأفضل الابتعاد عن صيغة الرد، التي تحمل في طياتها احتمالات التخطئة والتجهيل، بل هي في الحقيقة من صيغ التحدي للقائل، الذي يفترض صونه عن أمر كهذا؟! ألم يكن من الأفضل أن يؤلف هذا الكتاب بطريقة أخرى، بأن يطرح الموضوع مجردا عن أية إشارة إلى أن البعض يقول كذا، أو يقول كذا؟!
/ صفحة 59 /
ونقول:
أولا:
لا ندري ما إذا كان النقد الموضوعي والعلمي يحمل في طياته صفة التحدي المزعومة!! ولو صح ذلك، لكن الأجدر أن يقفل الناس باب أي نقاش علمي مع أي شخص بعينه، بل كان الأجدر أن لا يجري نقاش بين اثنين في أية مسألة علمية فكرية، أو حياتية على الإطلاق.
ثانيا:
إن السؤال بل الاعتراض يتوجه على ذلك البعض نفسه حين يتصدى لنقد وتفنيد آراء بل اعتقادات طائفة بأسرها، بل هو يستعمل كثيرا من عبارات التجريح لها ولعلمائها ويتهمهم بأنواع التهم القاسية مستعملا لذلك كلمات قوية وقاذعة أيسرها عدم الوعي والتأثر بالمحيط المتخلف، والجمود، والتحجر، والعيش في الماضي وعدم الوعي ـ لا سيما ال